"نستله" حكاية طعم أثر في أجيال متتالية - Mrayya

“نستله” حكاية طعم أثر في أجيال متتالية

"نستلة"تصور أن يحدد طفلك اليوم ما سيأكله الناس لـ 150 عاما قادمة

“نستله” حكاية طعم أثر في أجيال متتالية

تصور أن يحدد طفلك اليوم ما سيأكله الناس لـ 150 عاما قادمة، فكرة مربكة بل إنها صادمة بعض الشيء. يتغير العالم اليوم خلال ساعات ولربما خلال دقائق فما بالك بأعوام طويلة امتدت منذ 1860 حتى اليوم؟ فكرة عبقرية نفذها “هنري نستله” ساهمت في إنقاذ طفل من موت محتم، ليصنع نقلة نوعية في ما سيأكله الناس فيما بعد، وتغيير الطريقة التي يتعاطى بها الناس مع الطعام والأغذية المصنعة، بل إننا نستطيع القول بأن هذه الحادثة فتحت طريقا واسعا نحو بداية صناعة المواد الغذائية في العالم.

النشأة 

ببساطة، ومن خلال شغفه بالكيمياء وعلم الصيدلة حل “هنري نستلة” مشكلة كانت تواجه العالم آنذاك، خاصة الأطفال حديثي الولادة العازفين عن قبول الرضاعة الطبيعية، حمل “نستله” هذا الهم على عاتقه، وعقب إنشاء مصنعه الخاص الذي كان ينتج فيه زيت الجوز والبندق، بدأ بعمل تجارب كثيرة لإنتاج حليب للأطفال حديثي الولادة، شرط أن يكون بديلا لحليب الأم، أي بقيمة غذائية غنية.

توصل”نستله” لإنتاج حليب مجفف، مكون من حليب البقر، الدقيق والسكر، فكان هذا الاختراع الأقرب للقيمة الغذائية التي يوفرها حليب الأم للأطفال الرضع، ولكن “نستله” لم  يتمكن من بيعه في الأسواق، نتيجة رفض المجتمع للفكرة من الأساس، ففي الوقت الحالي لا أحد يمكنه تخيل طفل دون تذكر  علبة حليب مجفف، ومياه معدنية وغيرها من ما يلزم لمساعدة الأم، لكن هذا بالطبع كان نسجا من الخيال قديما.

 

هنري نستله

ومع ذلك، لم يفقد “نستله” الأمل، بل ثابر وحاول بالفعل عمل ما بوسعه لإنقاذ حياة الأطفال، حتى جاءت اللحظة المفصلية، ففي الحي الذي كان يقطنه “نستلة ” استمر طفلًا بالبكاء طوال ليلة كاملة ولحسن حظه أن “نستله” سمع صوت بكائه المتواصل ليلا، ليذهب صباح اليوم التالي مستفسرا عن  السبب، ليجد أن الرضيع ولد قبل أوانه، ويعاني من سوء في التغذية بسبب عدم تقبله للرضاعة من أمه، فيما أخبر الأطباء عائلة الطفل بأنه أقرب للموت من الحياة، وحينها اقنع “نستله” عائلة الطفل بأن يطعمه من حليبه المصنع، ليتحسن الطفل ويتماثل للشفاء والحياة أيضا.

انتشر الخبر كالنار في الهشيم “حليب نستله، أنقذ طفلا يرفض الرضاعة من الموت”، وهنا حدثت الصدمة، لم يتوقع “نستله” أن تنهال عليه طلبات لا تحصى لشراء الحليب، إذ فاق الإقبال على شراء الحليب كل توقعاته، كما لم يكن يتصور “نستله” أنه سيضطر لتطوير مصنعه المتواضع ليستطيع تلبية حجم الطلب الهائل على منتجه الجديد، وهكذا استمرت “نستله” في النجاح والتوسع لتكون رائدة في مجال صناعة الغذاء للأطفال الرضع، حاملة شعار “طعام أفضل لحياة أفضل”.

انتكاسة 

عقب النجاح المتواصل الذي حظيت به، تعرضت “نستله” لانتكاسة بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى، التي طالت كل مكان في العالم، حتى طالت مراعي الحيوانات، ومنها مراعي الأبقار، ما أدى لنفوق أعداد كبيرة من الحيوانات وتضرر المراعي بشكل مباشر بفعل الأسلحة الثقيلة والمتفجرة التي كانت تلقى تجاه المراعي، ونظرا لاعتماد الشركة على حليب الأبقار في إنتاجها، واجهت الكثير من المشاكل التي كانت أهمها نقص الشديد في الحليب البقري.

خلقت”نستله” حلولا جوهرية، للخروج من أزمة النقص في توفر الحليب الخاص لإنتاجها وللحد من الأضرار التي لحقت بالشركة إبان الحرب العالمية الأولى، ومن أبرز هذه الحلول التوسع والابتعاد عن الأماكن الأكثر ضراوة في الحرب، والانتقال لبلدان بعيدة توفر بيئة جيدة لإنشاء مصانع جديدة تفوق قدرة إنتاج المصانع في الدول التي تئن تحت نير الحرب، وتوفر مراعيها ما تحتاجه الشركة من الحليب الطازج لإنتاج حليب الأطفال بكميات أكبر وجودة عالية.

 كان من ضمن خيارات “نستله” المهمة افتتاح المصانع في أمريكا، التي تعتبر آمنة بعض الشيء وبعيدة عن قساوة الحرب العالمية الأولى، إذ وصل عدد المصانع التي تم افتتاحها من قبل الشركة 40 مصنعا طوال تلك الفترة وحتى بداية الحرب العالمية الثانية، وبهذه الطريقة تغلبت الشركة على أولى الأزمات التي واجهتها، معلنة بدء مرحلة جديدة من التحديات التي لن تتوقف، حتى عقب اجتيازها في كل مرة.

التحدي الأصعب 

 لم تدم انتعاشة “نستله” فترة طويلة، فقد أعقب تعافيها، حربا عالمية ثانية، فاقمت من أزمة الشركة لينخفض ناتج أرباحها بشكل غير مسبوق فبدل أن يكون الربح مضاعفا لأكثر من 20 مليون دولار، انخفض ليصل إلى 6 ملايين فقط، وذلك بسبب عزوف المواطنين عن شراء الحليب المجفف والاكتفاء بالحليب الطازج، نظرا  للحالة الاقتصادية المتردية للمواطنين حول العالم، وما كانت تعانيه أغلب البلدان من غلاء للأسعار و حالة من الركود التي تعقب الحروب بالعادة.

ورغم هذه الحالة، إلا أن الشركة سرعان ما تحولت لنقطة انطلاق ونجاح فاق كل التوقعات، عندما تعاونت “نستله” مع معهد قهوة برازيلي لإنتاج أهم وأشهر مشروب قهوة في العالم منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، مشروب سريع التحضير، ولذيذ لا يكلف المواطنين الكثير، فكان  “نسكافية”.

“نسكافية” مكون من كلمتين هما “نستله، وكافية”، هذا المشروب الذي أحدث ثورة في عالم القهوة ليصبح أيضا المشروب الرسمي خلال الحرب العالمية الثانية للجنود الأمريكيين، أدمنه المواطنون فارتفعت أرباح الشركة بطريقة هائلة، مما ساعد “نستله” على تخطي ازمة الركود، وتسديد كافة ديونها، وإعادة هيكلتها لتكون الأنجح خلال تلك الفترة. 

مرحلة الاستحواذ 

قد تتسائل كيف استطاعت شركة “نستله”، الهيمنة في مجال صناعة المواد الغذائية لأكثر من 150 عاما، لم يكن الأمر بهذه البساطة، ف”نستله” استطاعت منذ بدايتها أن تركز على الجودة في الإنتاج والقدرة على الابتكار والإبداع، من خلال متخصصين وعلماء ومختبرات ومصانع وتجارب عديدة تقوم بها قبل أن تغرق السوق بمنتجاتها، إضافة لخطة تسويق تعتبر الأقوى بين الشركات العالمية التي خلقت تأثيرا للمشاهد سواء من خلال الإعلانات المكتوبة أو المسموعة أو المتلفزة، لن تنبش بذاكرتك كثيرا إذا ذكرنا لك “حليب نيدو” لتتذكر الإعلان الذي صاحب الناس على شاشات التلفزة لأكثر من 60 عاما، بل إن تذكرك لهذا الإعلان يجعلك ترسم بسمة على وجهك لتذكر قوة تأثير مثل هذه الإعلانات، وغيرها بالطبع الكثير من الإعلانات لمنتجات الشركة التي صاحبتنا بكل زمان، مثل شيكولاته “كيت كات”، “سمارتيز”، “نسكافية”، “كورن فليكس”، “ماجي” ، “كواليتي ستريت” وغيرها.

والأهم من ذلك أن “نستله” استحوذت منذ بدايتها على كل الشركات الناشئة التي كانت في بدايتها وتشق طريقها، بل ولديها إنتاج إو اختراع خاص بها مثل ما حدث مع شركة “كيلر” التي تعتبر الأولى في مجال صناعة ألواح الشوكولاتة، فقد عملت “نستله” على ضم هذه الشركة لها.

كما وأن “شركة سويس جينيرال” واحدة من أهم الشركات التي ضمتها  “نستله” لها، وهي شركة رائدة في مجال إنتاج الشوكولاته بالحليب، بهذه الطريقة استطاعت “نستله” أن تكون الأولى في صناعة الغذاء للأطفال، الأولى في تصنيع حليب بالشوكولاته، والأولى أيضا في صناعة القهوة المثلجة، والمجففة “نسكافية “، وغيرها الكثير مما تنتجه “نستله” حول العالم.

الاستمرار 

لا يكاد يخلو منزل حول العالم من منتج او اثنين على أقل تقدير من منتجات “نستله”، ليس سهلا أن تحافظ على نجاحك بل وتستمر بالعطاء والإنتاج بنفس الزخم والجودة والقوة، لكن “نستله” فعلتها، بقيت متربعة على عرش صناعة المواد الغذائية ولا منافس لها.

 تنتج “نستله” اليوم أكثر من 8.500 منتج غذائي متنوع، وتوظف حوالي  339.000 موظف وموظفة حول العالم، وتملك أكثر من 490 مصنعا حول العالم وبالطبع يحتوي كل مصنع على مختبر علمي، تعتبر الشركة اليوم واحدة من أكبر الشركات في العالم ولها خطوط إنتاج كثيرة ومتخصصة في الحليب، الشوكولاته، المياه المعدنية، القهوة، و أطعمة الحيوانات الأليفة، وأيضا تعتبر “نستله”  أحد المساهمين الرئيسيين في شركة لوريال الفرنسية التي تعد أكبر شركة مستحضرات تجميل في العالم. 

وبرغم التفاني بالعمل، والنجاح منقطع النظير إلا أن “نستله” كغيرها من الشركات الناجحة  تحظى بالكثير من الأعداء والمنافسين الذين استطاعوا إثارة بعض الشبهات والجدل حول  منتجات غذائية معينة، “ماجي” على سبيل المثال تعرض لسلسلة من الانتقادات التي اتهمت فيه الشركة بإنتاج مواد غذائية قد تكون ضارة وغير مفيدة لجسم الإنسان، إلا أن “نستله” قابلت الاتهامات بمزيد من التطوير والتعديل على المنتج، بل وارتفعت مبيعاتها بشكل سريع، و واظبت على تصنيع المزيد من المواد الغذائية الجديدة، لتبقى في موقع الصدارة.

نستله

لن نستطيع أن نذكر لك 8.500 منتج غذائي مميز للشركة، منتجات حفرت في ذاكرتك قصة “نستله” التي بدأت بإنقاذ طفل من الموت، لتكون سببا الآن في البحث عن حياة غذائية صحية أفضل، والاستمتاع بالمواد الغذائية التي تنتجها.

 هذه واحدة من آلاف القصص الملهمة لنجاح واحدة من أكبر وأعظم الشركات العالمية، التي بدأت بفكرة بسيطة لحل مشكلة ما، قصص نسردها لشحذ الهمم و لتشجيعك أنت لتبدأ بشق طريق نجاحك مهما كان صعبا، إبدأ الأن بتنفيذ أفكارك اخلق فرصتك واصنع نجاحك، فلربما تصبح “نستله”  القادم في هذا العالم المليء بالنجاحات.

إذا خطر ببالك او شاهدت اعلانا مميزا بالصدفة لأحد منتجات “نستله” مثل حليب “نيدو”، “نسكافيه”، شوكولاته “كيت كات”، “ماجي”، و”آيس كريم”، “كواليتي ستريت”، “كورن فليكس”، “نسبريسو”، “سمارتيز”، “سيريلاك”، “نسكويك”، “مياه بيور لايف”، “كوفي ميت”، “فريسكيز” تذكر أن اسمك سوف يحفر في الذاكرة يوما ما، إذا بدأت بتنفيذ ما تسعى إليه، بجد واجتهاد ومثابرة.

المصادر

لا يوجد تعليقات

اكتب تعليقاً